مرتضى الزبيدي

760

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

جوارحك في الخير وعوده الذكر ولم يستعمله في الشر ولم يعوده الفضول . وما ذكره حق فإن تعود الجوارح للخيرات حتى يصير لها ذلك كالطبع يدفع جملة من المعاصي . فمن تعود لسانه الاستغفار إذا سمع من غيره كذبا سبق لسانه إلى ما تعود فقال : أستغفر اللّه . ومن تعود الفضول سبق لسانه إلى قول ما أحمقك وما أقبح كذبك ! ومن تعوّد الاستعاذة إذا حدث بظهور مبادئ الشر من شرير قال بحكم سبق اللسان : نعوذ باللّه ، وإذا تعوّد الفضول قال : لعنه اللّه ، فيعصي في إحدى الكلمتين ويسلم في الأخرى ، وسلامته أثر اعتياد لسانه الخير وهو من جملة معاني قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [ التوبة : 120 ] ومعاني قوله تعالى : وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً [ النساء : 40 ] فانظر كيف ضاعفها إذ جعل الاستغفار في الغفلة عادة اللسان ، حتى دفع بتلك العادة شر العصيان بالغيبة واللعن والفضول ، هذا تضعيف في الدنيا لأدنى الطاعات ، وتضعيف الآخرة أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ [ القلم : 33 ] فإياك وأن تلمح في الطاعات مجرد الآفات فتفتر رغبتك عن العبادات ، فإن هذه مكيدة روّجها الشيطان بلعنته على المغرورين وخيل إليهم أنهم أرباب البصائر وأهل التفطن للخفايا والسرائر ، فأي خير في ذكرنا ، باللسان مع غفلة القلب ؟ فانقسم الخلق في هذه المكيدة